الثقافة الطبية: ما بين مضاعفات العلاج ومسؤولية الطبيب والمريض

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة واسعة للحديث عن الطب، نحتاج إلى ثقافة طبية حقيقية تُعلّم المريض الفرق بين الخطأ الطبي والمضاعفات المتوقعة، وتضع مسؤولية التوعية على الطبيب والمريض معًا.

العلوم الطبيةالطبالثقافة الطبيةالطبيب والمريض
طبيب يتحدث مع مريض حول العلاج والمضاعفات الطبية

الثقافة الطبية

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة مليئة بالمحتوى الطبي. لا تكاد تمر منشورات قليلة حتى يظهر منشور لطبيب يتحدث عن مرض معين، ولا تكاد تشاهد عدة مقاطع حتى تجد طبيبًا يشرح عملية جراحية أو يتحدث عن طريقة علاج. لكن السؤال الأهم ليس: كم عدد الأطباء الذين يتحدثون عن الطب على الإنترنت؟

بل: كم من هذا المحتوى يرفع فعلًا مستوى الثقافة الطبية لدى المجتمع؟

فكثير من المحتوى الطبي المنشور على منصات التواصل لا يتجاوز كونه وسيلة للتعريف بالطبيب وخدماته. وقد يأتي في صورة معلومات مرتبة ومصطلحات طبية معقدة، فيظن المشاهد أنه أمام طبيب يستطيع تشخيص كل شيء وحل كل مشكلة، وأنه الطبيب الذي "يجيب من الآخر"، كما يقول الناس.

وهنا أظن أن الأطباء يستطيعون تقديم شيء أكثر نفعًا للمجتمع من مجرد الحديث عن الأمراض والعمليات: أن يتحدثوا عن العلاقة بين الطبيب والمريض، وعن طبيعة الممارسة الطبية وحدودها ومخاطرها.

من المهم أن يعرف المريض الفرق بين الإهمال الجسيم، والخطأ الطبي، والمضاعفات المتوقعة التي قد تحدث رغم اتخاذ الطبيب الإجراءات الصحيحة.

كثيرًا ما نرى على وسائل التواصل مريضًا يروي تجربته مع طبيب:

طبيب أجرى له عملية ثم حدث التهاب في الجرح، أو طبيب أجرى له منظارًا ثم حدثت مضاعفة نادرة، أو علاجًا أعقبه أثر جانبي.

ثم يبدأ الغضب.

يدعو المريض على الطبيب، ويتحسر عليه، وتنتشر التعليقات التي تتهمه بالإهمال والخيانة وانعدام الضمير، وينضم كثير من الناس إلى هذا الحكم، رغم أنهم لم يسمعوا القصة إلا من طرف واحد، وربما لم يعرفوا أصلًا ما إذا كانت المضاعفة متوقعة أم لا، أو هل حدث خطأ حقيقي أم أن الأمر كان أحد المخاطر المعروفة للإجراء الطبي.

وهنا تقع مسؤولية على الأطباء أنفسهم.

فمن أساسيات العلاقة المهنية السليمة أن يشرح الطبيب للمريض، قبل أي إجراء مناسب، طبيعة العلاج أو العملية، والفوائد المتوقعة، والمخاطر المحتملة، والآثار الجانبية والمضاعفات التي قد تحدث، قدر الإمكان وبما يتناسب مع الحالة.

لكن هناك مسؤولية أخرى تقع على المريض أيضًا.

علينا أن نعترف بأن كثيرًا من توقعاتنا عن الطب غير واقعية.

نحن نريد علاجًا خارقًا لا يسبب أي مضاعفات.

ونريد دواءً بلا آثار جانبية.

ونريد فحصًا "يجيب من الآخر" ويكشف كل شيء دون احتمال للخطأ أو النقص.

ونريد طبيبًا يعطينا إجابة قاطعة تطمئن قلوبنا في كل مرة.

لكن الحقيقة أن الطب ليس كذلك.

ليس هناك علاج سحري يخلو من المخاطر، ولا فحص طبي يستطيع كشف كل شيء في كل حالة، ولا عملية جراحية تضمن نتيجة مثالية في جميع المرضى.

وجود المضاعفات لا يعني تلقائيًا أن الطبيب أخطأ.

كما أن عدم نجاح العلاج لا يعني بالضرورة أن الطبيب كان مهملًا.

فلكل دواء آثاره الجانبية المحتملة، ولكثير من العمليات مضاعفات معروفة، ولكل فحص حدود في قدرته على اكتشاف المرض، وحتى أفضل الأطباء لا يستطيعون التحكم في كل ما يحدث داخل جسم الإنسان.

وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن الطبيب فوق المساءلة.

فإذا وقع إهمال أو تقصير أو مخالفة للمعايير الطبية المتعارف عليها، فمن حق المريض أن يسأل، وأن يطلب التوضيح، وأن يلجأ إلى الجهات المختصة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول كل حدث سيئ إلى إدانة فورية للطبيب، لمجرد أن النتيجة لم تكن كما توقعها المريض.

المريض يحتاج إلى أن يتعلم، والطبيب يحتاج إلى أن يشرح.

نحتاج إلى أن ننتقل من ثقافة:

"من المخطئ؟"

إلى ثقافة تسأل أولًا:

"ماذا حدث؟ وهل كان متوقعًا؟ وهل اتُّخذت الإجراءات الصحيحة؟"

فمثل هذه الأسئلة أكثر عدلًا، وأكثر علمًا، وأقل ظلمًا للناس.


والانتقال من الجهل إلى العلم ليس عملية سهلة.

إنه يحتاج إلى سنوات من التعلم، وإلى قدر من التواضع، وإلى استعداد لأن نقول: لا أعرف، وأن نقبل أن بعض الأمور في الطب ليست يقينية، وأن أفضل قرار طبي ليس دائمًا القرار الذي يضمن النتيجة التي نتمناها.

المسؤولية لا تقع على الطبيب وحده، ولا على المريض وحده.

الطبيب مسؤول عن أن يشرح بصدق ووضوح، والمريض مسؤول عن أن يتعلم ويفهم، وألا يبني أحكامه على قصة ناقصة أو مقطع قصير على وسائل التواصل الاجتماعي.

فكلما ارتفعت الثقافة الطبية في المجتمع، قلّت مساحة الشائعات والاتهامات، وأصبح الحوار بين الطبيب والمريض أكثر نضجًا، وأصبح من الممكن أن نميّز بين الخطأ الحقيقي والمضاعفة الطبية التي قد تحدث رغم بذل الرعاية الواجبة.

وربما يكون أهم ما نحتاج إليه اليوم ليس مزيدًا من الأطباء الذين يتحدثون عن الطب، بل مزيدًا من الأطباء الذين يُعلّمون الناس كيف يفهمون الطب.


مصدر النص الأصلي : قناة سبيل الأطباء

قناة سبيل الأطباء على Telegram